زملاء "كايسيد" يترجمون نظريات الحوار إلى واقع ملموس في أديس أبابا
العاصمة الإثيوبية أديس أبابا -مقر الاتحاد الإفريقي- تحتضن فعاليات التدريب المباشر الأول لبرنامج كايسيد للزمالة لعام 2026، بحضور نخبة من الممارسين والخبراء من مختلف دول العالم.
توافد زملاء كايسيد لهذا العام إلى إثيوبيا، المعروفة تاريخياً بــــ "أرض البدايات"، ليدشنوا محطة محورية في مسيرتهم؛ حيث أتيحت لهم فرصة استثنائية لصقل مهاراتهم وتطوير أدواتهم في قلب واحد من أبرز المراكز الدبلوماسية في القارة الأفريقية.
وجاء هذا التدريب عبر برنامج مكثف يمزج بحرفية بين التطبيق العملي على مهارات تيسير الحوار، والزيارات الميدانية، والتواصل المؤسسي الفعال، فضلاً عن تبادل الخبرات والمعارف بين الأقران.
وتتوزع دفعة الزملاء في نسخة هذا العام على مجموعتين دوليتين؛ تُعنى الأولى بالأكاديميين والتربويين، والقيادات الدينية، وممارسي الحوار، في حين تركز المجموعة الثانية على تمكين قيادات المنظمات الشبابية الناشطة على الساحتين المحلية والدولية.
أسبوع من التطبيق والتواصل المؤسسي
وفي الفترة الممتدة من 17 إلى 22 أبريل، خاض 28 زميلاً يمثلون المجموعتين تجربة تدريبية مكثفة في أديس أبابا، شكّلت منعطفاً رئيسياً في البرنامج الذي يمتد لعام كامل؛ إذ أعلن هذا الأسبوع الانتقال الفعلي من الفضاء الرقمي والتعلم الافتراضي إلى الممارسة العملية المباشرة على أرض الواقع.
وتنوعت الجلسات التدريبية لتغطي المبادئ والمنهجيات الأساسية للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ولا سيما تصميم جلسات التيسير، وتفكيك ديناميكيات النزاع، والاستماع النشط، وأخلاقيات الحوار، وصولاً إلى الإدارة القائمة على النتائج؛ وهي مسارات صُمِّمت خصيصاً لبناء الثقة وتسريع تطوير المشاريع الختامية لكل زميل. كما نالت مجموعة المنظمات الشبابية اهتماماً خاصاً ركز على تمكين المؤسسات الشبابية، وفهم طبيعة العلاقات بين الأجيال، والالتزام بواجب الرعاية.
وفي شهادة تعكس عمق التجربة، قال أحد الزملاء المشاركين في البرنامج:
"أتاح لنا فريق 'كايسيد' بيئة آمنة وحاضنة لتعلم مهارات الحوار العملية والتفاعل مع مشاركين من خلفيات متنوعة. إن هذا التناغم بين المعرفة النظرية، والمراجعة الذاتية، والزيارات الميدانية، جعل من التجربة محطة غنية وذات قيمة عالية".
ولم يكن اختيار أديس أبابا عفوياً، بل جاء مدفوعاً بمكانتها الاستراتيجية بوصفها حاضنة للاتحاد الأفريقي ومركزاً رئيساً لسياسات بناء السلام والحوكمة في القارة، مما أتاح للزملاء فرصة الاحتكاك المباشر بالمؤسسات والسياسات الواقعية التي تشكّل بيئة عملهم المستقبلية.
وعلاوة على ثقلها السياسي، تمتاز العاصمة الإثيوبية بنسيجها الديني والثقافي الفريد؛ إذ تُعد موطناً لمجتمعات مسيحية ويهودية ضربت جذورها في أعماق التاريخ، وتضم حواضر إسلامية عريقة، إلى جانب حضور نشط لأتباع الطائفتين البهائية والراستافارية. هذا المزيج الفريد منح الزملاء فرصة حية لمعاينة آليات التعاون العريقة بين أتباع الأديان، والتي يتصدرها "مجلس المؤسسات الدينية في إثيوبيا" كنموذج يحتذى به في التعايش المجتمعي.

جسور التواصل: ربط الحوار بالمؤسسات والمجتمعات المحلية
لم يقتصر البرنامج على قاعات التدريب المغلقة، بل ركّز بشكل أساسي على مأسسة الحوار وربطه بالواقع الميداني؛ ففي التاسع عشر من أبريل، قام الزملاء بجولة ميدانية شملت أبرز المعالم الدينية والثقافية في أديس أبابا، ومنها جامع الأنور الكبير، وكاتدرائية الثالوث المقدس، ومركز مجتمع "بيتا إسرائيل" لليهود الإثيوبيين، بالإضافة إلى المتحف الوطني. ولم تكن هذه الجولات مجرد زيارات سياحية، بل شكلت جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية، حيث تأمل المشاركون في كيفية تأثير الهوية الدينية، والذاكرة التاريخية، والموروث الثقافي، والمساحات المجتمعية على ممارسة الحوار على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، علّق أحد الزملاء المشاركين قائلاً:
"إن معاينة نماذج الحوار الحيّ خلال لقاءاتنا مع المجتمعات المحلية، والقيادات الدينية، والمؤسسات في أديس أبابا، ساهمت في نقل المعرفة النظرية إلى فضاء الواقع".

وفي اليوم التالي، انتقل الزملاء إلى أروقة مفوضية الاتحاد الأفريقي في سلسلة من الزيارات المؤسسية رفيعة المستوى؛ حيث عقدوا لقاءات مباشرة مع عدد من الإدارات الحيوية، شملت: مديرية المواطنين والمغتربين، وإدارة الشؤون السياسية والسلم والأمن، ومديرية الصحة والشؤون الإنسانية، بالإضافة إلى مديرية المرأة والنوع الاجتماعي والشباب. وتُمثل هذه الهياكل الشركاء الرئيسيين الذين تعاونوا مع "كايسيد" في دفع عجلة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات في عدة دول إفريقية. كما أتيحت للزملاء فرصة التواصل المباشر مع "مبادرة الأديان المتحدة" و"مجلس المؤسسات الدينية في إثيوبيا"، مما عمّق فهمهم لآليات عمل الأطراف الدينية الفاعلة ضمن أطر السياسات الوطنية والإقليمية.
ومع استمرار أعمال التدريب خلال الأسبوع، شكّل اللقاء مع خريجي برنامج "كايسيد" الإثيوبيين، وممثلي المنظمات الشبابية، ومكتب الجامعة البهائية العالمية في أديس أبابا، وأعضاء من الطائفة الراستافارية، منصة حيوية لتبادل الرؤى؛ حيث استمع الزملاء إلى تجارب واقعية يقودها ممارسون محليون في مجالات التعاون بين الأديان، والقيادة الشبابية، وبناء السلام، والحوار المجتمعي. كما أتاح عرض الفيلم الوثائقي "الإمام والقس" ومناقشته مساحة إضافية للتأمل في الدور المحوري الذي يلعبه القادة الدينيون في نزع فتيل النزاعات وبناء جسور السلام.

حوارات ملهمة مع قيادة المركز
وفي الثامن عشر من أبريل، شهد البرنامج لقاءً خاصاً جمع الأمين العام المكلف لكايسيد بالزملاء المشاركين، تمحور حول "رؤى القيادة في الحوار بين أتباع الأديان والثقافات"، ممهداً الطريق لتبادل مباشر وثري للأفكار بين الإدارة العليا للمركز والدفعة الجديدة. وفي أسلوب يترجم قيم التقارب، شارك الأمين العام المكلف الزملاء في مأدبة عشاء إثيوبية تقليدية تخللها برنامج ثقافي وفني، مما أتاح مساحة ودية غير رسمية لتعزيز الروابط الإنسانية والتبادل الثقافي وبناء العلاقات الأخوية.
وفي كلمته التي ألقاها خلال اللقاء، أكد السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لكايسيد، على رمزية المكان قائلاً:
"إن لوجودنا هنا في أديس أبابا دلالة بالغة الأهمية؛ فهذه المدينة، بوصفها مقراً للاتحاد الأفريقي، تمثل مركزاً حيوياً للحوار القاري حول السلام والحوكمة والتعاون. إن مشاركتكم اليوم تمنحكم فرصة استثنائية لربط حصيلتكم المعرفية بالنقاشات السياسية والجهود المؤسسية الجارية التي تشكل مستقبل المنطقة"
وجاء هذا التفاعل الحي ليؤكد التزام "كايسيد" الراسخ بالحفاظ على قنوات اتصال وثيقة ومستمرة بين قيادته والممارسين الميدانيين الذين يدعمهم، وهو ما يعكس الفلسفة الأعمق للبرنامج؛ ومفادها أن الحوار ممارسة تُعاش وتُجسّد في السلوك قبل أن تكون مناهج تُدرّس.
بناء شبكة عالمية من الممارسين والخبراء
يأتي برنامج الزمالة هذا العام ليتوج إحدى عشرة سنة من العطاء المستمر، نجح المركز خلالها في تأهيل وتدريب أكثر من 555 خريجاً ينتمون إلى 100 دولة حول العالم. ويعتمد البرنامج نموذجاً تعليمياً متنوعًا يمزج بكفاءة بين التدريب الحضوري المكثف، والجلسات الافتراضية المباشرة مع خبراء دوليين، بالإضافة إلى التعلم الإلكتروني الذاتي؛ وهي توليفة متكاملة تهدف إلى تمكين الزملاء من تصميم وإدارة مبادرات حوارية فاعلة داخل مؤسساتهم ومجتمعاتهم المحلية. ولضمان تحويل هذه المعارف إلى واقع ملموس، يحصل كل زميل على منحة مالية لتنفيذ مشروع ميداني محدد فور اجتيازه التدريب، مما يضمن ترجمة مخرجات التعلم إلى ممارسات عملية تخدم المجتمع.
وفي انطباع يجسد روح الأخوة والزمالة التي سادت اللقاء، أشار أحد مشاركي نسخة 2026 قائلاً:
"بعد أن كان تواصلنا مقتصراً على الشاشات والفضاء الرقمي، جئت إلى أديس أبابا كلي أمل في بناء روابط وثيقة مع بقية الزملاء، وحقيقةً، فقد فاق هذا الأسبوع كل توقعاتي".
ولم تكن أيام أديس أبابا مجرد محطة لبناء العلاقات فحسب، بل شكلت أيضاً منصة حيوية لتطوير وتنقيح أفكار المشاريع الختامية للزملاء؛ وذلك عبر جلسات التقييم المتبادل بين الأقران والتوجيه المباشر من الخبراء، مما ساهم في مواءمة تصميم المبادرات الحوارية مع الخصوصيات المحلية والمعايير الأخلاقية، وبما يتوافق مع الأولويات البرامجية لكايسيد.
آفاق متجددة للشراكة مع الاتحاد الإفريقي
ولم تقف حدود هذه الزيارة عند تدريب الزملاء فحسب، بل شكلت محطة استراتيجية لتعزيز الشراكة المؤسسية الأوسع مع مفوضية الاتحاد الإفريقي؛ حيث تضمنت جهود بعثة "كايسيد" في أديس أبابا تجديد مذكرة التفاهم بين الجانبين، تأكيداً على عمق الشراكة الممتدة والفاعلة بينهما منذ عام 2013. كما شهدت الزيارة عقد حلقة نقاشية رفيعة المستوى تحت عنوان "تعزيز ثقافة الحوار التحولي في المنطقة الإفريقية".
وفي الوقت الذي ساهمت فيه هذه اللقاءات الرسمية في ترسيخ التعاون التاريخي للمركز مع الاتحاد الإفريقي، فإنها وضعت تدريب الزملاء في سياق نقاش قاري أشمل يتمحور حول قضايا السلام، والتماسك الاجتماعي، والدور المحوري للحوار في تمكين المجتمعات وتحصينها.
