قبيل انطلاق أعمال الجلسة النقاشية التي ينظمها مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) ضمن فعاليات مؤتمر الأكاديمية الأوروبية للأديان (EuARE) لعام 2026 في روما، يؤكد باحثون وقيادات دينية أن "الجانب القيمي والفكري" القائم على الثقة والحوار لا يقل أهمية وحسمًا عن "الجانب الإجرائي" المتمثل في سياسات الهجرة.
"ليست الحدود المرسومة على الخرائط هي الأصعب دائمًا؛ بل تلك الحدود الخفية التي تشكّل طريقة تفسيرنا للواقع وفهمنا له".
تعد الهجرة إحدى القضايا المصيرية المحورية في عصرنا الحالي، وقلّما نجد ملفًا يثير انقسامًا حادًا في المجتمعات الأوروبية مثلها. وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومات جاهدة لمعالجة نقص العمالة، والتراجع الديموغرافي، والجهود العملية للإدماج المجتمعي، يتزايد الاستقطاب في النقاشات العامة. ومع ذلك، ثمة جانب مغفَل في خضم هذه الاستجابات: وهو العلاقات اليومية، والثقة، والقيم المشتركة التي تحدد مدى قدرة الوافدين الجدد والمجتمعات المضيفة على العيش معًا بسلام ووئام.
"لا يمكن لـ «الجانب التنظيمي والإجرائي» لسياسات الهجرة أن يصمد دون «الجانب الفكري والقيمي» القائم على الثقة والقيم المشتركة؛ والحوار بين أتباع الأديان هو السبيل الوحيد لبناء هذا الجانب وتشييد أركانه."
من هذا المنطلق، يفتتح كايسيد جلسة نقاشية مفتوحة خلال مؤتمر الأكاديمية الأوروبية للأديان 2026 في روما، بناءً على فرضية بسيطة؛ وهي أن الحوكمة الفعالة لملف الهجرة تحتاج إلى "البنية التحتية التنظيمية" من سياسات ومؤسسات وخدمات، لكنها تتطلب حتمًا وبالقدر نفسه "البنية الفكرية والقيمية" القائمة على الثقة، والخطاب الأخلاقي، والتعاون بين أتباع الأديان. وبدون الشق الثاني، لا يمكن للشق الأول أن يصمد طويلًا.

لماذا منطقة غرب البلقان؟
يبدو هذا التحدي جليًا وبشدة في منطقة غرب البلقان؛ إذ تشهد المنطقة تدفقات مستمرة للهجرة المغادرة، في الوقت الذي تحولت فيه إلى منطقة عبور ومقصد للمهاجرين واللاجئين. وتأتي هذه التحولات بالتزامن مع بدء الحكومات الأوروبية في تطبيق "الميثاق الأوروبي الجديد بشأن الهجرة واللجوء"، وبينما لا تزال مجتمعات المنطقة تعاني من آثار صراعات تسعينيات القرن الماضي وتبعاتها.
ولا يزال هذا التاريخ يلقي بظلاله على الحاضر؛ فالانقسامات التي خلفتها نزاعات التسعينيات لم تلتئم بعد، وقد يؤدي وصول المهاجرين واللاجئين إلى تضخيم هذه الانقسامات وتعميقها بدلًا من تخفيف حدتها. وهذا هو السبب تحديدًا في أن الجلسة النقاشية ترفع شعار "الهجرة اختبار للتماسك الاجتماعي". ففي منطقة ما زالت الثقة فيها هشّة، يكمن السؤال الجوهري في: هل يسهم الوافدون الجدد في تعميق التصدعات القديمة أم يفتحون آفاقًا للاجتماع والتعارف؟ وهو سؤال يتردد صداه بقوة في أرجاء أوروبا بأكملها.
بناء جسور الثقة عبر تعزيز الروابط الإنسانية
تنعقد هذه الجلسة بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لاتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، وهي مناسبة تكتسب اليوم أهمية بالغة تفوق أي وقت مضى. إن الهجرة قضية ترتبط بالتماسك الاجتماعي قبل أن تكون مجرد مسألة سياساتية؛ فالقوانين يمكنها تنظيم حركة الأفراد وتحديد وضعهم القانوني، لكنها عاجزة بمفردها عن غرس قيم الانتماء والقبول.
وهنا يبرز دور القيادات الدينية التي غالبًا ما تتصدر المشهد لتلبية احتياجات المهاجرين واللاجئين، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير مساحات للقاء قبل أن تبدأ الأنظمة الرسمية في التحرك. وعندما تظهر القيادات الدينية معًا في تعاون ملموس يتجاوز حدود الاختلافات الدينية، فإنهم يسهمون بقوة في مناهضة كراهية الأجانب، والحد من الاستقطاب، وتقديم نموذج حي لثقافة الترحيب وحسن الضيافة.
وتحمل الرسالة الختامية للمؤتمر نظرة استشرافية نحو المستقبل؛ حيث يرى المتحدثون أن الآفاق القادمة لا تقتصر على تقديم المساعدة للمهاجرين فحسب، بل تمتد إلى تمكينهم ليكونوا عناصر فاعلة ومساهمة في بناء المجتمعات التي ينضمون إليها.
الحوار في صدارة المشهد
هنا يأتي دور الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وهو الجوهر الأساسي لعمل كايسيد ومهمته؛ إذ لا تنظر الجلسة النقاشية إلى الحوار بوصفه مجرد تبادل للمجاملات، بل تراه وسيلة عملية لبناء الثقة بين مختلف المجتمعات. ومن خلال جمعها للقيادات الدينية إلى جانب الباحثين والممارسين، تطرح الجلسة تساؤلًا حول كيفية إشراك التقاليد الدينية نفسها في معالجة قضية الهجرة.
وعلى سبيل المثال، يستند العمل الذي يقدمه الأب فيدران أوبوتشينا حول "المناظرة القائمة على النصوص الدينية" إلى النصوص المقدسة في مختلف العقائد والتقاليد لإعادة صياغة الهجرة بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية مشتركة. وفي الوقت نفسه، يسلط متحدثون آخرون الضوء على التحول من الحوار الذي يقتصر على الاعتراف بالآخر إلى المشاركة الفاعلة والمشتركة بين أتباع الأديان، حيث تتحمل القيادات الدينية مسؤولية مشتركة لتعزيز التماسك الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، لا ينفصل الحوار بين أتباع الأديان عن النقاش الدائر حول الهجرة، بل هو إحدى الوسائل الكفيلة بترجمة القيم المشتركة للكرامة وحسن الضيافة إلى خطوات ومبادرات ملموسة على أرض الواقع.
أصوات من المنصة
تفتتح تيريزا ألبانو الجلسة لرسم الإطار العام للمناقشات وإدارة اجتماع المائدة المستديرة الختامي، في حين تتولى الدكتورة ألكساندرا دجوريتش ميلوفانوفيتش، ممثلة كايسيد، إدارة الحوار في الجلسة النقاشية.
وتشهد الجلسة مشاركات متميزة من:
-
الدكتورة دانيكا شانتيتش (جامعة بلغراد): وتتحدث عن الهجرة المغادرة، ونقص العمالة، ودور القيادات الدينية في مواجهة كراهية الأجانب ودعم صنع السياسات القائمة على الأدلة والبراهين.
-
الأب فيدران أوبوتشينا (زميل كايسيد): ويستعرض مفهوم "التحليل القائم على النصوص الدينية" والكرامة الإنسانية التي تتجاوز التوصيفات القانونية.
-
كبير الشمامسة ملادين كوفاسيفيتش: ويتناول التحول من مجرد الحوار بين الأديان إلى المشاركة الفاعلة والمشتركة، حيث يعمل القادة الدينيون كبناة جسور لترسيخ القيم الإنسانية المشتركة.
وتجمع المائدة المستديرة هذه الرؤى والمحاور مع نخبة من الخبراء والمختصين، وهم: الدكتور نجاد غرابوس (مفتي سراييفو والرئيس المشارك لمنظمة أديان من أجل السلام)، وتورستن موريتز (مدير لجنة الكنائس للمهاجرين في أوروبا)، وليلى هاسانديديتش دابو (مبادرة الأديان المتحدة)، وستيفانو فولبيتشيلي (جامعة أنطونيانوم). ويأتي هذا النقاش بهدف عملي واضح: كيف يمكن للمجتمعات أن تواجه حالة عدم اليقين والمتغيرات المتسارعة دون أن تفقد قدرتها على التضامن الإنساني؟
وتأتي هذه المناقشات في إطار الجلسة النقاشية التي حملت عنوان "الهجرة بين الجانب التنظيمي والجانب الفكري والقيمي"، والتي عُقدت في 30 يونيو 2026، في قاعة بولا (A203) بجامعة لويس غيدو كارلي في روما، ضمن فعاليات مؤتمر الأكاديمية الأوروبية للأديان (EuARe) لعام 2026.
