بين الحقوق المعلنة والعدالة الواقعية: نساء يقدن مسيرة كايسيد
بمناسبة الشهر العالمي للمرأة لعام 2026، تستعرض نساء فاعلات في شبكات كايسيد للحوار التحديات التي لا تزال تعيق النساء والفتيات في مجتمعاتهن، كما يسلطن الضوء على الجهود القائمة بالفعل، والحاجة الملحّة إلى تحويل الالتزامات الرسمية إلى تغييرات حقيقية وملموسة.
وعلى الرغم من أن حقوق المرأة باتت اليوم أكثر حضورًا ووضوحًا في سياقات مختلفة، مثل التشريعات والسياسات والنقاشات العامة – مقارنة بما كانت عليه قبل جيلٍ مضى، فإن كثيرًا من النساء العاملات في مجالات الحوار وبناء السلام والقيادة المجتمعية ما زلن يطرحن السؤال نفسه: فحتى مع الاعتراف الواسع بحقوق المرأة من حيث المبدأ، هل تحققت هذه الحقوق فعلًا على أرض الواقع داخل المجتمعات؟
إن هذه الفجوة بين الاعتراف النظري والواقع العملي تقف في صميم شعار الأمم المتحدة لليوم العالمي للمرأة لعام 2026: "الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات". وقد شكّل هذا الشعار منطلقًا لتأملات نساء فاعلات في شبكات كايسيد للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
ورغم اختلاف التجارب والسياقات، فإن الرسالة التي تبرز من هذه التأملات تبدو متسقة على نحو لافت عبر مختلف المناطق: فالنساء والفتيات لا يحتجن إلى إدماج رمزي فحسب. إذ تشير آراؤهن إلى حقيقة مشتركة مفادها أن التقدم لا يُقاس فقط بما يُدوَّن في السياسات والوثائق، بل بمدى قدرة النساء والفتيات على المشاركة الفاعلة والآمنة والمؤثرة في القرارات التي تشكّل مسار حياتهن.
ترى بسمة أحمد جستنية، وهي إحدى خريجات برنامج كايسيد للزمالة من المملكة العربية السعودية، أن هذه الفجوة تتجلى بوضوح في استمرار بعض الأعراف الاجتماعية التي ما تزال تحدّ من مشاركة النساء في مواقع القيادة وصنع القرار. وفي هذا السياق تشير إلى أن: "إن أحد أكبر العوائق التي ما تزال تعرقل تقدم النساء والفتيات اليوم يتمثل في الأعراف الاجتماعية الراسخة التي تحدّ من مشاركتهن في القيادة وصنع القرار".
وتلامس كلماتها جوهر القضية. ففي العديد من السياقات، لا يقتصر التحدي على إتاحة فرص التعليم أو الاعتراف القانوني بالحقوق فحسب، بل يمتد إلى البنية الأعمق للتوقعات الاجتماعية والأعراف وموازين القوة التي ما تزال تحدد من يملك الصوت الأكثر تأثيرًا وسلطة في المجتمع.
في نيجيريا، تشير القس الأخت أغاثا تشيكيلو إلى أن القلق ذاته يتجلى في مراحل مختلفة من حياة النساء، بما يعكس ثقل العوامل المتداخلة المتمثلة في الأعراف الاجتماعية والثقافية، وعدم المساواة الاقتصادية، وانعدام الأمن. وتسهم هذه العوامل مجتمعة في استمرار تقييد وصول النساء والفتيات إلى التعليم، وإلى مواقع القيادة، فضلًا عن الحد من فرص حصولهن على الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
أما كينو أغاروال، وهي زميلة في كايسيد منذ عام 2019 وناشطة اجتماعية وروحية وسياسية من الهند، فترى أن العقلية الأبوية المتجذّرة ما تزال تشكّل حياة النساء، من خلال الأعباء غير المدفوعة للعمل الرعائي، ومخاوف السلامة، وأشكال التمييز المختلفة، إضافة إلى استبعاد النساء من الأدوار القيادية داخل المؤسسات الدينية.
في أوروبا، تحذّر أنيا فالينكامب من ظاهرة لا تقل خطورة آخذة في التنامي في الوقت الراهن، وهي التراجع عن المكتسبات. وفي هذا السياق قالت:
"إن كثيرًا من التقدم الذي تحقق في مجال حقوق النساء والأقليات الجنسية بات اليوم محلّ تشكيك، بل إن بعضه يتعرض للتراجع أو الإلغاء".
وتشغل أنيا منصب المديرة المؤسسة لمبادرة ""Faiths In Tune، وهي مبادرة موسيقية للحوار بين أتباع الأديان تحتفي بالتنوع الثقافي والديني من خلال العروض الموسيقية الحية والتفاعل المجتمعي. وتشير إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على حالات معزولة، بل يعكس منحى أوسع يتنامى في أوروبا وخارجها.
ويتمثل هذا التوجه في التشكيك في الصياغات القانونية الراسخة، وتهديد الحقوق المكتسبة للنساء والفتيات. ولا يقتصر قلقها على مستوى النظريات أو النقاشات المجردة؛ بل يرتبط بما يحدث عندما تبدأ الحقوق التي كان يُفترض أنها راسخة في التآكل تدريجيًا داخل الخطاب العام.
إحداث التغيير واتخاذ المبادرة: كسر الحواجز
ترى بسمة أحمد جستنية أن الطريق إلى التغيير يبدأ بتهيئة مساحة تجمع النساء من خلفيات ثقافية ودينية متنوعة، تتيح لهن مناقشة التحديات المشتركة، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن، وتنمية مهاراتهن في التواصل والقيادة. وقد تجسدت هذه الرؤية من خلال مبادرة "حوار الثقافات في الرياض"، وهي مبادرة مجتمعية شاركت في تأسيسها مع زميلتها هيا الحرفان.
ولم تكن أهمية المبادرة في مجرد توفير مساحة للحوار، بل في ما أفضت إليه من نتائج ملموسة، وما أتاحته من أفكار ومبادرات وجدت طريقها إلى الواقع.
وفي هذا الصدد تشير إلى أن: "العديد من المشاركات أفدن بأنهن أصبحن أكثر ثقة في التعبير عن آرائهن خلال النقاشات العامة، كما شعرن بقدر أكبر من الترابط مع نساء من مجتمعات مختلفة".
وهذا أمر بالغ الأهمية؛ فالثقة ليست مجرد شعور عابر يمكن استحضاره أو بناؤه بسهولة، بل تمثّل – بالنسبة للنساء اللواتي طُلب منهن طويلاً التزام الصمت أو البقاء في موقع التبعية أو الغياب عن النقاش العام – نقطة الانطلاق نحو المشاركة الفاعلة والقيادة.
كما تشير بسمة إلى ثمرة أخرى مهمة للحوار؛ إذ إن الانخراط في الحوار بين أتباع الأديان والثقافات أسهم في تهيئة بيئة أكثر انفتاحًا لإجراء نقاشات محترمة مع القيادات الدينية والمجتمعية حول حقوق المرأة وكرامتها. ومن شأن هذه الحوارات أن تساعد على بناء جسور الثقة اللازمة لإرساء تعاون أكثر شمولًا وإنصافًا للجميع.
في كثير من المجتمعات، لا تُقيَّد حقوق النساء بسبب غياب السياسات فحسب، بل أيضًا نتيجة غياب مساحات موثوقة تتيح مناقشة القضايا الحساسة بصراحة وشفافية. فالحوار، حين يُدار على نحو فعّال، قادر على فتح مثل هذه المساحات وتهيئة بيئة تسمح بتناول القضايا المعقدة بصدق ومسؤولية.
وتتجلى هذه الفكرة كذلك في تجربة بالين تيبتات في تايلاند. فبالنسبة إليها، لم تعد القضية تتعلق بمجرد الاعتراف بحقوق النساء؛ إذ إن هذا الاعتراف قائم بالفعل في كثير من الحالات. غير أن التحدي الأعمق يكمن في كيفية تفسير هذه الحقوق وتطبيقها، وكيف يجري – في أحيان كثيرة – اختزالها في حضور رمزي بدلًا من مشاركة حقيقية وفاعلة.
فالنساء، كما تشير، قد يكنّ حاضرات في الفضاءات العامة، غير أنهن لا يُعاملن بعد بوصفهن أطرافًا متكافئة في التأثير في مسارات القرار وصياغة نتائجه.
وتوضح قائلة: "لم نعد نتعامل أساسًا مع ممارسات مباشرة لعدم المساواة بين الجنسين، بل مع ذهنيات راسخة وعميقة ما تزال تؤثر في السلوك وتوجّه مسارات العمل".
وتشير إلى أن التحدي اليوم لم يعد يتمثل في الاعتراف بالحقوق بقدر ما يتمثل في تنفيذها فعليًا. فهذه الحقوق قد تكون منصوصًا عليها في الأطر والسياسات والبيانات الرسمية، غير أن الأعراف الثقافية والاجتماعية ما تزال هي التي تحدد ما إذا كانت أصوات النساء تُسمَع، وما إذا كان يُنظر إليهن بوصفهن شركاء موثوقين، وما إذا كانت مشاركتهن تتم بصورة حقيقية وفاعلة.
وقد تجسدت هذه الرؤية في المبادرة التي قادتها خلال أسبوع بانكوك للعمل المناخي لعام 2025 تحت عنوان: "العمل المناخي التشاركي: الأديان والسياسات والشباب – من أسبوع العمل المناخي في بانكوك إلى مؤتمر الأطراف (COP30) ".
وقد حظي هذا المؤتمر بدعم كايسيد واستضافه معهد الإدارة البوذية من أجل السعادة والسلام، حيث جمع أكثر من 80 مشاركًا من ممثلي الحكومات، والمؤسسات الدينية، والأوساط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية.
وترى بالين أن أهمية هذه الفعالية تمثلت في كونها أوجدت منصة شاملة أتاحت للنساء – ولا سيما الشابات – فرصة التفاعل المباشر مع صُنّاع القرار بشأن قضايا المناخ والسياسات التي تمس مستقبلهم.
كما أكدت ملاحظات المشاركين الحاجة إلى تعزيز دور المرأة القيادي وبناء قدراتها في مجال العمل المناخي القائم على الإيمان، في حين أظهر الحدث ذاته قدرة النساء على قيادة عمليات رفيعة المستوى تسهم في دفع التعاون بين مختلف القطاعات وإثراء النقاشات المتعلقة بالسياسات.
الحوار مسار نحو المصداقية والقيادة
توضح تأملات كينو أغاروال كيف أسهم التدريب وفرص المشاركة التي وفّرها كايسيد في انتقالها من العمل الهامشي إلى أداء دور أكثر حضورًا بوصفها ممارِسة للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. فقبل ذلك، كانت كينو ناشطة فاعلة بالفعل في جهود بناء السلام، غير أن دورها كان يقتصر في الغالب على الدعم والمساندة.
وقد عكست المشاركة المتنامية والانطباعات الإيجابية للمشاركات نجاح هذه المبادرة في تحقيق ما تعجز عنه كثير من الالتزامات الرسمية؛ وهو تمكين النساء من التعبير عن آرائهن، وتعزيز حضورهن، وبناء دوائر دعم متبادل في الواقع العملي.
وتكتسب هذه النقلة أهميتها لأن أحد أكثر العوائق التي تواجهها النساء خفاءً لا يتمثل في الإقصاء الرسمي فحسب، بل في التوقع الضمني بأن يكتفين بدور التيسير من الهامش بدلًا من الإسهام في توجيه الحوار وصياغة مساره.
وتوضح كينو قائلة: "من خلال برامج التدريب وفرص المشاركة التي أتاحها كايسيد، اكتسبت الثقة والمعرفة والمهارات اللازمة للتقدم إلى الواجهة والمساهمة بفاعلية بوصفى ممارِسة للحوار".
من خلال مبادرة "EmpowHer" التي يدعمها كايسيد وتُنفَّذ في الهند والنمسا وفنلندا ونيجيريا، عملت كينو أغاروال على تعزيز قدرات الشابات والشباب في مجالات التمكين، والقيادة، والمساواة بين الجنسين. وتجربتها تسلط الضوء على أحد العوائق الخفية التي غالبًا ما تواجهها النساء: توفير فرص الوصول مع توقع البقاء في دور داعم بدلًا من أن يكنّ فاعلات ومؤثرات. وتُظهر قصتها كيف يمكن أن يعمل الحوار كوسيلة انتقال، تساعد النساء على الانتقال من مجرد المشاركة إلى القيادة، ومن الحضور إلى المصداقية.
وفي نيجيريا، تشير الأخت أغاثا تشيكيلوإلى الحاجة نفسها من منظور بناء السلام والحكم الرشيد. فمن خلال شبكة "النساء المؤمنات" في نيجيريا، التي ترأسها، عملت على دعم تعليم الفتيات وحمايتهن من الزواج المبكر، مبرزةً أهمية وجود منصات موثوقة.
وأضافت: "لقد ساعدت المشاركات من مختلف الأديان والثقافات في إنشاء منصات موثوقة يمكن من خلالها للقيادات الدينية والمجتمعية أن يدافعوا بشكل مشترك عن حقوق النساء، وتعليم الفتيات، وحمايتهن من العنف".
ويكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة، إذ نادرًا ما يمكن تحقيق التغيير في المجتمعات من خلال عمل قطاع واحد بمفرده. وعندما تتاح الفرصة للقيادات الدينية والمجتمعية وأصوات النساء للتفاعل معًا بمصداقية، تتعزز المساحات المخصصة للمناصرة المحلية وتكتسب شرعية أكبر.
ويشير إلى تزايد دعم المجتمع لتعليم الفتيات، وتعزيز المناصرة المحلية لمشاركة النساء في جهود بناء السلام. كما تؤكد أن المنصات الموثوقة للحوار بين أتباع الأديان والثقافات تسهّل على القيادات الدينية والمجتمعية الدفاع المشترك عن حقوق النساء، وتعليم الفتيات، وحمايتهن من العنف.
ماذا يتعين على القيادات فعله الآن؟
مع اقتراب نهاية الشهر العالمي للمرأة، لا تسعى النساء اللاتي وردت قصصهن في هذا التقرير إلى مجرد الاعتراف.بل يطالبن المؤسسات والمجتمعات والقيادات بأن يُؤخذن على محمل الجد بصفتهن صانعات قرار، وبناة سلام، وفاعلات في المجال العام.
وتشير بيانات حديثة من أجندة الأمم المتحدة للمرأة والسلام والأمن إلى أن الاتفاقيات السلمية التي تشارك فيها النساء تكون أكثر احتمالًا للثبات لمدة 15 عامًا على الأقل بنسبة 35٪. وهذا يعني أكثر من مجرد دعوتهن إلى غرفة الاجتماعات؛ بل يتطلب ضمان أن تكون مشاركتهن فاعلة وذات معنى، ودعم قيادتهن، وحماية حقوقهن من خلال هياكل قوية، مع تطبيق القوانين حيثما تكون الحماية ضعيفة على أرض الواقع.
ويشمل ذلك أيضًا الاستثمار في التعليم وتطوير القيادة، وخلق منصات تتيح للنساء والفتيات التعبير عن آرائهن والمساهمة في صياغة النتائج. كما يستلزم مواجهة الأعراف التي لا تزال تعتبر مشاركة النساء استثناءً، في حين يجب أن تكون قاعدة.
عبر مختلف المناطق والسياقات، يظل الطلب واحدًا: يجب ألا تقتصر رؤية النساء والفتيات على الظهور فقط، بل يجب أن يستطعن الفعل والقيادة والتأثير في القرارات التي تشكل مسارات السلام والعدالة والحياة العامة.
ختامًا، تؤكد أنيا فالينكامب على أهمية وضع حد لأي تراجع في الحقوق. وتدعو بسمة أحمد جستنية إلى تعزيز مشاركة النساء في صنع القرار ومساحات القيادة المجتمعية. وتشدد الأخت أغاثا على أهمية الإدماج الفعلي للنساء والشباب في عمليات الحكم وبناء السلام والتنمية. بينما تشير بالين تيبتات إلى ضرورة تغيير العقليات التي ما تزال تحد من مشاركة النساء في القرار والحياة العامة. أما كينو أغاروال فتؤكد أن التعليم والمقاومة يظلان ركيزتين أساسيتين لهدم الهياكل الأبوية التي تمنع النساء من الحصول على مكانهن الكامل في المجتمع.
تعرفوا على النساء المشاركات:





