الكرامة الإنسانية لا تحدها حدود: كيف يواجه "كايسيد" استقطاب الهجرة في أوروبا بقوة الحوار؟
تزامناً مع اليوبيل الماسي لاتفاقية شؤون اللاجئين، وإحياءً لليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية؛ تلتقي قيادات دينية وصناع قرار إلى جانب ثلة من اللاجئين في رحاب مجلس أوروبا والأكاديمية الأوروبية للأديان، تلبيةً لدعوة مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد).
ويأتي هذا الحراك في وقت تشهد فيه القارة العجوز هذا الشهر تزامنًا لافتاً لمحطات أممية بارزة؛ إذ يتقاطع اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية مع الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية عام 1951 التاريخية الخاصة بوضع اللاجئين. وفي هذا السياق، يبادر "كايسيد" إلى تنظيم فعاليتين رفيعتي المستوى، تهدفان إلى وضع الحوار بين أتباع الأديان في صدارة المشهد السياسي والاجتماعي المعني بملف الهجرة في أوروبا.
وتأتي هذه الجهود في ظل مناخ عام يزداد قتامة وتشدداً؛ إذ تكشف أحدث بيانات معهد أبحاث السلام في أوسلو أن عام 2025 سجل الحصيلة الأكبر من النزاعات المسلحة بين الدول منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، مخلفاً وراءه زهاء ربع مليون ضحية. وانعكست هذه الأجواء على الداخل الأوروبي، حيث تعمقت حدة الاستقطاب حول ملف المهاجرين، وباتت السرديات الإقصائية الداعية لرهاب الأجانب وترحيلهم تكتسب مشروعية متزايدة في الخطاب اليومي.
وامتداداً لهذا الواقع، يعيد المركز التذكير بكلمات الحبر الأعظم، البابا ليون الرابع عشر، حين قال مؤخراً: "إن الكرامة الإنسانية لا تحمل جواز سفر، ولا تفقد قيمتها بمجرد عبور الحدود"، وهي المقاربة التي تتقاطع عندها كافة الشرائع الدينية. ومن هذا المنطلق، لا تسعى مساهمة "كايسيد" إلى تبني سياسات هجرة محددة أو فرضها، بل تتطلع إلى إنجاز ما تعجز عنه النصوص القانونية الجافة؛ ألا وهو مد جسور الثقة، وتشكيل وعي مجتمعي إيجابي، وتمتين الروابط الإنسانية التي تحفظ تماسك المجتمعات. ويشكل هذا الحراك البنية التحتية الروحية والاجتماعية التي تذيب الفوارق، وتمنح الوافدين الجدد والمجتمعات المضيفة شعوراً حقيقياً بالانتماء المشترك.
ستراسبورغ (18 يونيو): تحت سقف مجلس أوروبا

وفي إطار "أسبوع مكافحة خطاب الكراهية" الذي يقيمه مجلس أوروبا، تنعقد ورشة عمل موسعة بعنوان: " أهمية الانتماء: مكافحة خطاب الكراهية بقوة الحوار"، وهو ثمرة تعاون بين "كايسيد" وبرنامج المدن القافية المتنوعة التابع للمجلس. ويشهد اللقاء حضوراً لافتاً لمسؤولين محليين، ورجالات دين، ونشطاء مجتمع مدني، إلى جانب لاجئين ينقلون تجربتهم الحية، بغية صياغة آليات عملية تفكك خطاب الكراهية وترسخ قيم المواطنة والقبول.
وتتولى افتتاح أعمال هذه الورشة السيدة إيرين كيتسو ميلوناس، الممثلة الخاصة للأمين العام لمجلس أوروبا المعنية بمواجهة الكراهية ضد المسلمين، ومعاداة السامية، وكافة أشكال التعصب الديني.
ومن بين الأصوات المؤثرة في هذا اللقاء، يبرز الشاب الأفغاني رضا شريفي، الذي وطئت قدماه صربيا قاصراً بلا معيل، ليتحول اليوم إلى فنان وطالب جامعي يروي قصة نجاحه في اللجوء. وبجانبه تتحدث مايا نيغروييفيتش، ممثلة "خدمة اليسوعيين للاجئين في صربيا" والعضو في "شبكة الحوار" المدعومة من كايسيد، والتي تولت رعاية رضا واحتضانه في رحلته تلك.
روما (30 يونيو): منبر الأكاديمية الأوروبية للأديان

أما في العاصمة الإيطالية، وتحديداً في الأكاديمية الأوروبية للأديان، عُقدت حلقة نقاشية تحت عنوان "الحوار بين أتباع الأديان والهجرة والتماسك الاجتماعي في غرب البلقان". وتكتسب هذه الجلسة أهمية استثنائية لكونها تجمع قادة المجتمعات المسلمة والمسيحية الأرثوذكسية حول طاولة واحدة، في وقت تعيد فيه منظومة "ميثاق الاتحاد الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء" صياغة الأدوار الجيوسياسية لدول غرب البلقان في الخارطة الأمنية والأوروبية.
وترتكز هذه المداولات على الأنشطة الميدانية لزملاء "كايسيد"، حيث تُطرح أدوات حوارية مبتكرة، أبرزها منهجية "القراءة التحليلية للنصوص المقدسة". ومن خلال هذه المقاربة، يلتقي أتباع الديانات المختلفة ليتأملوا معاً ما تحمله كتبهم السماوية من قيم ومبادئ تدعو لإيواء الغريب، ونصرة المهجر، وحماية المستجير، محولين هذه النصوص إلى طاقة دافعة لبناء مجتمعات تعتز بالتنوع وتحتفي بالشراكة الإنسانية.
