هل ينبغي للصحفيين أن يؤدوا دوراً فاعلاً في بناء جسور السلام؟ سؤال جوهري يطرحه مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) في أحدث ورقة سياسات أصدرها برنامج زمالة الصحافة للحوار، داعياً المؤسسات الإعلامية حول العالم إلى إدراج بناء السلام ضمن مسؤولياتها التحريرية الأساسية، ومقدماً خريطة طريق واضحة لتحقيق هذا التحول المأمول.
وفي وقت تهيمن فيه النزاعات والاستقطاب والانقسام على المشهد الإخباري العالمي، تأتي ورقة السياسات الجديدة، التي تحمل عنوان "الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان"، لتؤكد أن الإعلام يمثل إحدى أقوى الأدوات وأقلها استغلالاً في دعم مسارات السلام في عالمنا المعاصر.
تستند هذه الورقة، التي أطلقها برنامج المنطقة العربية في كايسيد، إلى أبحاث موسعة ومقابلات مع خبراء ورؤى ميدانية لاستكشاف الطاقات الكامنة للإعلام في تعزيز التماسك الاجتماعي. ورغم انطلاقها من تجارب المنطقة العربية، فإن نتائجها وتوصياتها تحمل أهمية بالغة وملحة للمؤسسات الإعلامية، وصناع السياسات، ومنظمات المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم.
للاطلاع على ورقة السياسات الكاملة
الفجوة القائمة: إنجازات السلام غائبة عن الرأي العام
شهدت المنطقة العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية إنجازات استثنائية في مجال الحوار بين أتباع الأديان، شكلت محطات تاريخية بارزة:
-
عام 2003: أطلق الملك عبدالله بن عبدالعزيز مبادرة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني—مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري حالياً—، والتي أثمرت عن محطات محورية؛ منها لقاؤه التاريخي بالبابا بنديكتوس السادس عشر في الفاتيكان عام 2007، مما مهد لتأسيس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) عام 2012. وتلا ذلك مؤتمر مكة المكرمة ومؤتمر مدريد العالمي للحوار عام 2008، وصولاً إلى وثيقة مكة المكرمة عام 2019.
-
عام 2017: أصدر الأزهر الشريف إعلاناً تاريخياً أكد فيه كفالة الحقوق المتساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق، رافضاً أشكال التمييز والتطرف كافة.
-
عام 2019: وقع البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وثيقة الأخوة الإنسانية، التي دعت إلى إرساء جسور السلام والاحترام المتبادل بين البشر، وإعلاء قيم الإنسانية المشتركة فوق الفروق الدينية.
ورغم هذه الخطوات الكبيرة، تشير الورقة إلى أن السرديات الإعلامية السائدة غالباً ما تمنح الأولوية للنزاعات والإثارة الصحفية على حساب قصص التعاون والتعايش. وفي البيئات شديدة الاستقطاب، تُعرض التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة من منظور ديني ضيق، مما يغيب الأسباب الجذرية ويعمق الفهم المغلوط لدى الجمهور. وبالمثل، يُنظر أحياناً إلى مبادرات الحوار بوصفها تحركات سياسية أو نخبوية، بدلاً من إبراز ارتباطها بواقع المجتمعات واحتياجاتها اليومية.
ونتيجة لذلك، يظل الرأي العام معزولاً عن معرفة هذا التقدم، مما يحرم بنية السلام من القاعدة الشعبية المتينة التي تضمن استدامتها.
وفي هذا السياق، صرحت مايا سكر، مسؤولة برامج كايسيد في المنطقة العربية: "يمتلك الإعلام سلطة تغيير الفهم المجتمعي حول التنوع الثقافي والديني والتعايش، غير أن هذه القوة لا تزال غير مستغلة تنظيماً. تمثل هذه الورقة دعوة واضحة للصحفيين والمحررين والمؤسسات الدينية وصناع السياسات لبناء شراكة جديدة تضع السلام في صلب الرسالة التحريرية الهادفة للتعددية والسلام".
ثلاثة مسارات يقود بها الإعلام التغيير
تحدد ورقة السياسات ثلاثة أدوار محورية يمكن لوسائل الإعلام الاضطلاع بها لتحويل المشهد الراهن:
-
التبسيط والإنسانية: حماية المفاهيم اللاهوتية المعقدة وإعلانات الحوار من البقاء حبيسة النخب المثقفة. ويمكن للإعلام، عبر السرد القصصي والمحتوى الرقمي القصير واللغة الميسرة، نقل هذه الأفكار إلى واقع الحياة اليومية، لتبدو قيم التعايش حقيقية، قريبة، وملموسة.
-
جسر الانقسامات:ينفرد الإعلام بقدرة استثنائية على خلق مساحات مشتركة للحوار المنظم والمسؤول، وإتاحة المنصات للقيادات الدينية التي تدعوا إلى ترسيخ قيم التسامح، ومواجهة الخطاب المتطرف بأصوات موثوقة، ونشر رسائل الاحترام المتبادل لتقويض خطاب الكراهية والصور النمطية.
-
إبراز المبادرات وإعلاء الأصوات: نادراً ما تحظى جهود بناء السلام المحلية بالتغطية التي تستحقها. وعندما يسلط الإعلام الضوء بفاعلية على المبادرات المحلية والإقليمية والعالمية في مجال الحوار بين أتباع الأديان، فإنه يضاعف أثرها، ويمكن المجتمعات، ويلهم الآخرين لتكرار هذه التجارب، ويبني الثقة العامة الكفيلة باستدامة السلام.
وفي هذا الصدد، علق الأستاذ وسيم حداد، مدير برامج كايسيد في المنطقة العربية، قائلاً:
"لا يمكن لجهود بناء السلام أن تظل حبيسة قاعات المؤتمرات أو أوراق السياسات أو مساحات الحوار الرسمية. ولكي تترسخ قيم الحوار، يجب أن تصل إلى الجمهور عبر قصص دقيقة، أخلاقية، ونابعة من الواقع المعاش. ترى هذه الورقة في الصحفيين شركاء أساسيين في هذه العملية؛ فهم ليسوا مجرد مراقبين للنزاع، بل فاعلون يساعدون المجتمعات على الفهم المتبادل، وتحدي السرديات الضارة، وإفساح المجال للتعايش".
استجابة كايسيد: برامج ومبادرات ميدانية
يقف برنامج زمالة الصحافة للحوار بمقدمة الجهود الهادفة لبناء الجسور بين العمل الصحفي، التماسك الاجتماعي، والتعايش السلمي؛ إذ يزود الصحفيين في المنطقة العربية بالمهارات اللازمة لتغطية التنوع الديني بحساسية، ودقة، وبأهداف بناءة عبر الحوار.
ويمثل هذا البرنامج واحداً من عدة برامج يطلقها كايسيد لترسيخ القناعة بأن الصحفيين المدربين، وممارسي الحوار، وصُنّاع المحتوى الرقمي، يقفون في طليعة صناع السلام اليوم. وتضم هذه البرامج أيضاً:
-
برنامج كايسيد للزمالة الدولية: الذي نجح في تدريب أكثر من 550 زميلاً وزميلة من أكثر من 90 دولة.
-
برنامج "وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للحوار": الذي يعزز مهارات المشاركين، لاسيما في المنطقة العربية، في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز الحوار، وبناء النسيج الاجتماعي المتماسك.
تأتي هذه الورقة ثمرة تعاون مشترك مع منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي، متبنيةً المخرجات والرؤى المنبثقة عن اللقاء الذي شهدته العاصمة الأردنية عمان في أبريل 2025، وجمع نخبة من الصحفيين وخبراء الحوار الديني.
حتمية التحرك العابر للأقاليم والقطاعات
تتجاوز توصيات الورقة حدود غرف الأخبار؛ لتطالب المؤسسات الدينية بالاستثمار في قدراتها الاتصالية والإعلامية، وتحث الحكومات والمجتمع المدني على دعم سياسات إعلامية تضمن صحافة أخلاقية موجهة نحو بناء السلام. كما تدعو الأطراف كافة إلى صياغة شراكات مستدامة بين الإعلاميين (بمن فيهم الصحفيون)، والقيادات الدينية، والمجتمعات المحلية، لإرساء قيم التعايش السلمي في الفضاء العام.
وتعكس الورقة قناعة كايسيد الراسخة بأن الصحافة، حين تلتزم بالنزاهة الأخلاقية في تناول التنوع الثقافي والديني، تملك القدرة على تمكين المواطنين، وتقوية المجتمعات، والمساهمة في تحقيق السلام الدائم. وكما تؤكد الورقة، لا تزال قوة الإعلام الكامنة في تشكيل رأي عام يدعم التعايش لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، غير أن هذا الواقع قابل للتغيير.
يمكنكم الآن تحميل ورقة السياسات "الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان" عبر زيارة الموقع الإلكتروني للمركز: www.kaiciid.org/ar
ولمعرفة المزيد عن زمالة الصحافة للحوار، يرجى التواصل مع البريد الإلكتروني الآتي: Maya.Sukar@kaiciid.org
