بعد مرور عقد على التعاون الرسمي الأول، وقّع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) ومفوضية الاتحاد الإفريقي اليوم مذكرة تفاهم متجددة في مقر الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وتحدد هذه المذكرة ركائز مرحلة أعمق وأكثر هيكلية للتعاون في مجالات الحوار بين أتباع الأديان، والتماسك الاجتماعي، ومنع النزاعات في مختلف أنحاء القارة الإفريقية.
وقد جرت مراسم التوقيع بحضور سعادة السفير سلمى مليكة حدادي، نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، والسفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد).
وفي هذا السياق، أكد السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو أن تحديات الأمن والسلم في إفريقيا لن تجد طريقها إلى الحل عبر الأطر السياسية وحدها؛ "فالمجتمعات تملك الثقة، والقيادات الدينية تمتلك التأثير، وحين يجد هؤلاء الفاعلون الدعم والأدوات اللازمة، يبدأ التغيير الحقيقي". وأضاف الأمين العام المكلف للمركز بأن هذه الشراكة مع مفوضية الاتحاد الإفريقي تنهض على نتائج ملموسة، تهدف إلى "الانتقال بالحوار من كونه مفهوماً نظرياً إلى واقع يتجسد في تغيير حقيقي على مستوى المجتمعات".
بدورها، أشارت سعادة السفير سلمى مليكة حدادي إلى إشادة المفوضية بهذه الشراكة؛ كونها تعزز الجهود الجماعية لترسيخ التفاهم المتبادل ومنع النزاعات، وتقوية مرونة المجتمعات بما يتوافق مع أجندة 2063، موضحة أن "الحوار يظل الركيزة الأساسية لبناء إفريقيا آمنة وموحدة، وهذا التعاون يدعم قدرتنا على تحويل تلك الرؤية إلى واقع ملموس على الأرض".
تضرب جذور هذه الشراكة في عمق العقد الماضي، وتحديداً منذ توقيع مذكرة التفاهم الأولى عام 2013. ومنذ ذلك الحين، نجحت المنظمتان في بث الروح مجدداً في "منتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان"، عبر سلسلة من المحطات الاستراتيجية شملت نيجيريا (2016)، وتشاد (2018)، ورواندا (2023)، وصولاً إلى ناميبيا (2025)؛ مما أسس لمنصة قارية راسخة تجمع القيادات الدينية وصنّاع القرار وممثلي المجتمع المدني تحت سقف واحد لبحث قضايا الأمن والسلم.
وعلى أرض الواقع، تجاوزت بصمة برنامج "كايسيد" في إفريقيا حدود الأطر النظرية لتلامس احتياجات المجتمعات المحلية؛ ففي جمهورية إفريقيا الوسطى، لعب المركز دوراً محورياً في دعم لجان السلام والمصالحة المحلية في المناطق المتضررة من النزاعات المزمنة. وفي نيجيريا، لم يكتفِ المركز بإعادة تفعيل "منصة الحوار بين أتباع الأديان من أجل السلام" لتعزيز نظم الإنذار المبكر، بل يواصل حالياً دعمه للمبادرات المشتركة لضمان أجواء سلمية تمهيداً لانتخابات 2027. كما امتدت هذه الجهود لتصل إلى شمال موزمبيق، حيث يسّر المركز مسارات الحوار المجتمعي في مقاطعة "كابو ديلغادو" المنكوبة بالصراعات.
تضع مذكرة التفاهم المتجددة أعمال "كايسيد" ضمن إطار "أجندة 2063" للاتحاد الإفريقي، لاسيما في تطلعاتها نحو إفريقيا آمنة ومستقرة. كما تفتح المذكرة قنوات رسمية للتعاون مع إدارات حيوية في الاتحاد، تشمل: الشؤون السياسية والسلم والأمن، والمجتمع المدني والشتات، والمرأة والنوع الاجتماعي، والصحة والشؤون الإنسانية، إضافة إلى إدارات الشراكات وحشد الموارد.

وأعقب مراسم التوقيع حلقة نقاش رفيعة المستوى بعنوان "تعزيز ثقافة الحوار التحولي في المنطقة الإفريقية"، شهدت حضور مسؤولين كبار من مفوضية الاتحاد الإفريقي، وسفراء الدول المؤسسة لكايسيد (المملكة العربية السعودية، والنمسا، والبرتغال، وإسبانيا)، إلى جانب القاصد الرسولي رئيس الأساقفة برايان نغوزي أوديغوي، ممثلاً للفاتيكان بصفته مراقباً مؤسساً للمركز.
كما شارك في اللقاء سفير إثيوبيا (الدولة المضيفة) وسفير بوروندي، وممثلون عن مكتب نائبة رئيس المفوضية، ومديريات المواطنين والشتات، والمرأة والشباب، والشؤون السياسية والسلم والأمن، والصحة والتنمية الاجتماعية، وإدارة الشراكات، إلى جانب فاعلين محليين آخرين.
ختامًا، تأتي هذه النقاشات في وقت تواجه فيه العديد من المجتمعات الإفريقية ضغوطاً متداخلة؛ من توترات مجتمعية، ونزوح ناجم عن النزاعات، وأزمات مناخية، وتصاعد لخطاب الكراهية. لذا ركزت حلقة النقاش على كيفية دمج الحوار بشكل منهجي في آليات الاستجابة القارية لإحلال السلام، ليس كعنصر تكميلي، بل كأداة عملية فعالة.