نكهات التعايش: كيف صنعت المطابخ الوافدة مائدة مصرية واحدة تتسع للجميع؟

07 يوليو 2026
Amal El-Masry - KAICIID's Dialogue Journalism Fellow
أمل المصري: زميلة برنامج كايسيد "صحافة الحوار".

تتسرّب رائحة البهارات الدافئة من شارع عباس العقاد بمدينة نصر، أحد أهم الشرايين التجارية في القاهرة؛ مزيج غريب ومألوف في آن واحد، يجمع بين عبق الشاورما المشوية على الفحم، ورائحة المندي المنبعثة من فوهة فرن أرضي.

وعلى الرصيف المجاور تتسل موسيقى خافتة، ما إن تقترب أكثر حتى يتضح الصوت... إنها فيروز تغني "نسم علينا الهوى"، صوت يشدّك فتجد نفسك جالساً تتناول المناقيش باللحم والنعناع بعد سكب الكثير من عصير الليمون عليها فتنتعش؛ هكذا تعلّم المصريون أكلها من الأفران اللبنانية.

لكن هذه الأفران اللبنانية في القاهرة باتت تحمل ثقلًا مختلفًا؛ ففي بيروت، التي كانت تُلقَّب يومًا بــــ «باريس الشرق»، تحوّلت أحياء بأكملها إلى ركام، وامتلأت الطرق بأصوات الانفجارات بدلًا من الموسيقى، واضطر كثيرون إلى مغادرة بيوتهم، أولئك الذين لم يتخيّلوا يومًا أنهم قد يصبحون لاجئين. حمل هؤلاء معهم كل ما تبقّى من أوطانهم: وصفات الأمهات، ورائحة المطابخ، وذاكرة الطعم.

ومن وحي تلك الذاكرة، وفي الشارع ذاته، تختلط روائح التوابل الشامية بالبهارات اليمنية الحارّة، وتتداخل اللهجات المصرية والسورية واليمنية والفلسطينية وغيرها من اللهجات العربية، في ضجيج يبعث على الحياة.

على أرض مصر، تحوّلت تحديات اللجوء والهجرة إلى ظاهرة ثقافية فريدة؛ إنها قصة كيف أصبحت المائدة المصرية الجديدة جسرًا حيًّا للتفاهم، حيث توقّفت الأنظار عند ألوان الطعام، دون أن تنشغل بالاختلافات المرتبطة بالجنسية أو الدين.

لم تعد هذه المطاعم مجرّد مشاريع اقتصادية، بل تحوّلت إلى مساحات ثقافية صغيرة تُرسّخ قبول الآخر، وتعزّز التقارب الإنساني بين جنسيات وثقافات مختلفة.

 

من ركام الحروب.. وصفات تُحيي الذاكرة

داخل مطعم "تاج الشام" بحي مدينة نصر في القاهرة، لا يحتاج المشهد إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن تنظر إلى المطبخ، حيث يعمل جنبًا إلى جنب طاهٍ مصري وآخر سوري، يتبادلان الأدوات والنكات بالقدر نفسه.

 

وفي زاوية المطعم، يقف عامل سوري جاء من حلب، المدينة التي كانت يومًا عاصمةً للصناعة والتجارة، قبل أن تمحو القذائف معالمها وتحوّل أسواقها العريقة إلى أطلال. لم يحمل معه حين فرّ سوى ما يحمله كثيرون من أبناء بلده: صورة عائلية، وحفنة من التوابل، وذاكرة لا تُمحى. 


لِمة أصدقاء من لبنان ومصر للاستمتاع بأصالة المناقيش اللبنانية على أرض مصر. بعدسة: @Abdullah Alaa

يقول وهو يقلّب اللحم على السيخ:

 "حين جئنا إلى مصر، لم يسألني أحد عن ديني. نحن السوريون والمصريون طول عمرنا شعب واحد.. هنا تشعر وكأنك في بلدك".

وإذا كان المطبخ السوري يعيد صياغة مفهوم الوطن، فإن الفكرة في المطاعم اللبنانية المجاورة تدور حول "اللّمّة"، حيث يصف زكريا عيتاني، صاحب مطعم لقمة بيروت، كيف أصبح المطعم بديلًا عن البيت، قائلاً بصوت يخفي خلفه أكثر مما يُظهر: 

 

"افتتحنا المطعم ليس فقط كمصدر رزق، بل أيضًا ليكون مساحةً للّمة والأُنس. عندما يأتي مصري ويجلس معنا، تخفّ الغربة في قلوبنا، وتخفّف لقاءاتنا نحن اللبنانيين والمصريين من اشتياقنا إلى أهلنا، وتذكّرنا بالأخوّة التي فرّقتها الحرب".

لا تكتفي هذه المطاعم اللبنانية والسورية بجلب نكهات المطبخ الشامي، بل توفّر أيضًا فرص عمل للمصريين، بما يخلق تبادلًا حقيقيًا للمهارات؛ فالطاهي المصري يتعلّم فنون إعداد الكُبّة، فيما يتعلّم الطاهي السوري أسرار الفول والطعمية المصرية.


نكهة فلسطينية في قلب مصر.. مطعم "حي الرمال". بعدسة: @Abdullah Alaa

المقلوبة والمسخّن.. أطباق بطعم الحنين والإصرار

على بُعد أمتار قليلة من هذه الأجواء الشامية، يقف صاحب مطعم فلسطيني أمام صينية المقلوبة، بعينين تختلط فيهما مشاعر الفخر بشيء أعمق من الحنين. وعلى الجدار خلفه تتدلّى صورة علم فلسطين، بينما يملأ المكان رائحة الكمّون والكزبرة. إنه باسل أبو العون، صاحب مطعم "حي الرمال" في مدينة نصر، جاء من أرض لا يزال الدم يُسفك فيها؛ من غزة التي تُدكّ أحياؤها يومًا بعد يوم، ومن رفح وخان يونس حيث ينتظر النازحون وجبة قد لا تأتي، ليختصر حكايته في كلمات: 

"أنا لا أقدّم وجبات فلسطينية فقط، بل أقدّم جزءًا من أرضي. المصريون والعرب يتذوّقون حنينًا إلى أرضنا، وهذا دعم كبير لنا".

وعلى بُعد خطوات من باسل، ينتهي زبون مصري للتو من تناول طبق المسخّن الفلسطيني؛ ربما لا يعرف كل تفاصيل الحكاية، لكنه يعرف أن هذا الطعام يستحق التجربة. وتشاركه التجربة ذاتها ياسمين محمود، التي لم تكن تعرف شيئًا عن المطبخ الفلسطيني قبل ثلاث سنوات، واليوم تقف في قلب مطعم "حي الرمال"، وعلى كتفها شال مطرّز بألوان العلم الفلسطيني، وتقول بلهجة من مزيج هذا المكان: 

"أنا مصرية وأفتخر، لكن خلال العمل هنا شعرتُ أن المرء يتعلم أشياء تتجاوز حدود الأكل؛ الفلسطيني ينجز عمله وكأنها الفرصة الأخيرة أمامه، وهذا علّمني أن أعمل بالطريقة ذاتها".

على موقد التعددية: أسرار من مشرق الوطن ومغربه

هذا التميز والعمق لا يقتصر على المطبخ الشامي؛ إذ لا يشبه المندي اليمني المندي الليبي في شيء تقريبًا، ومع ذلك يجد كلٌّ منهما مكانًا متجاورًا في شوارع العاصمة المصرية. فاليمن، الذي مزّقته سنوات الحرب حتى أصبح رمزًا لأشد الكوارث الإنسانية في العالم، وليبيا التي لم تنجح منذ سقوط نظامها في استعادة استقرارٍ حقيقي حتى اليوم، كلاهما يحمل جرحًا لم يندمل بعد. 

ومع ذلك، خرج من هذين الجرحين طهاة يحملون أسرار مطابخ عريقة؛ ففرن المندي اليمني يُوارى في الأرض، وتحيط به رائحة خشب الأثل المحترق، وعلى مقربة منه يشرح طاهٍ ليبي لزبون فضولي تفاصيل طبق البازين، مستعينًا بيديه وابتسامته حين تعجز الكلمات. نكهتان بعيدتان جغرافيًا وثقافيًا، غير أن كلتيهما تحملان في طيّاتهما قصة هجرة ووطن.. وهنا، في هذا التجاور اليومي، تتجلّى روح التعددية لا بوصفها شعارًا في وثيقة، بل ممارسةً حيّة على الموقد.

السودان يفرش مائدته في القاهرة

امتداد هذه الممارسة الحية يتسع ليتجاوز الحدود الآسيوية نحو العمق الأفريقي؛ فعندما تدخل المطعم السوداني تشعر بتميزه عن غيره من المطاعم المجاورة منذ الوهلة الأولى؛ ليس في الطعام وحده، بل في طريقة الجلوس أيضًا. الطاولات أوسع، والجلسة أطول، والأصوات أدفأ. ثمة شيء من طقس "الجلسة" الإفريقية العريقة يسري في المكان، ويجعل الغريب يشعر أنه مدعو لا زائر.

بعيدًا عن قاعات الحوار ومؤتمرات السلام، يولد التعايش الحقيقي في مكان آخر.. في المطبخ.

الشاورما السورية، والمندي اليمني، والملاح السوداني، والمقلوبة الفلسطينية.. لم تأتِ إلى مصر لتنافس مطبخها العريق، بل لتثريه وتوسّع مائدته، لتضمن وجود مقعد لكل صاحب قصة، ولكل من يحمل وطناً في حقيبته وذاكرته.

وعندما تنتهي جولتك في شارع عباس العقاد، ستجد نفسك تحمل أكثر مما جئت تبحث عنه؛ بطن ممتلئ، وذاكرة أكثر ثراءً، وشيء يشبه الأمل يتسلّل إليك من حيث لا تتوقع.

فهنا على هذه الأرض يعيش اليوم ما يزيد على ستة ملايين لاجئ ومهاجر مسجّل، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فرّوا من حروب لم يشعلوها، وجاؤوا إلى مصر بلا شيء سوى ما لا تستطيع القنابل أن تحرقه: وصفة الأم، ورائحة المطبخ، وإرادة متجددة لا تعرف الانكسار. 

 

وعلى هذه المائدة المفتوحة، وجد كلٌّ منهم مقعدًا لم يطلبه أحد بالاسم، لكنه كان في انتظاره… في مصر التي فتحت ذراعيها للجميع.

 

 

بقلم: أمل المصري: زميلة برنامج كايسيد "صحافة الحوار". صحفية وصانعة محتوى مصرية متخصصة في فن السرد القصصي وتحليل الظواهر الاجتماعية، وتتمتع بخبرة واسعة في الكتابة للمنصات الرقمية وإدارة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي. ترتكز أعمالها على مبادئ التعددية الثقافية والتعايش، حيث توظف المحتوى لتعزيز التواصل والحوار وتيسير التفاعل الرقمي داخل المجتمع.


Source URL: https://kaiciid.org/نكهات-التعايش-كيف-صنعت-المطابخ-الوافدة-مائدة-مصرية-واحدة-تتسع-للجميع؟/قصصنا الحوارية/قصصنا