من الرؤية إلى التطبيق: كايسيد يجمع صُنّاع التغيير الأوروبيين في البوسنة والهرسك

13 مايو 2026

فيسوكو وسراييفو، البوسنة والهرسك | 4–7 مايو 2026

لم يكن اختيار البوسنة والهرسك مجرد مصادفة جغرافية حين جمع "كايسيد" الدفعة الثانية من الحاصلين على منح مبادرته الطموحة "صناعة التغيير من الداخل". فبين جدران "بيت السلام الفرنسيسكاني" في فيسوكو، وأزقة سراييفو النابضة بالحياة — تلك المدينة التي عانت ويلات واحدة من أعنف الحروب الدينية والعرقية في تاريخ أوروبا الحديث، ثم نهضت من رمادها— كان هناك درس حي لا تلقنه قاعات المحاضرات؛ درس يؤكد أن الحوار ليس ترفاً بل طوق نجاة، رغم أنه نادراً ما يُستخدم كأداة منهجية لوأد الانقسامات المجتمعية وبناء السلام. 

وتتجلى أبعاد هذا "السلام الهش" اليوم في منطقة غرب البلقان، التي تقف مجدداً على صفيح ساخن يهدد باندلاع أزمات جديدة.

وعلى مدار أربعة أيام، التقى قادة التغيير من مختلف أنحاء القارة الأوروبية في تدريب مكثف لبناء القدرات، إيذاناً بانطلاق رحلة تمتد لعام كامل، بهدف تحويل أفكار مشاريعهم إلى واقع ملموس يترك أثراً مستداماً في مجتمعاتهم.

ثلاثة مسارات.. ورسالة واحدة

يأتي برنامج المنح هذا ثمرةً لتوصيات "المنتدى الأوروبي السادس للحوار بشأن سياسات اللاجئين والمهاجرين" الذي عُقد في جنيف عام 2025، ليدعم ثلاثة مسارات حيوية ومستقلة للحراك المجتمعي:

  • مدن من أجل الإدماج: مسار يستهدف منظمات المجتمع المدني، والقيادات والرموز الدينية، بالتعاون مع السلطات المحلية؛ لتعزيز قيم الاندماج والتعايش عبر قنوات الحوار بين الأديان والثقافات.

  • رواد التماسك: مسار مخصص لتمكين الشباب (بين 18 و30 عاماً) الذين يقودون مبادرات محلية تهدف إلى تعزيز قيم الانتماء والتكافل في مناطقهم.

  • شبكة الحوار: مسار يجمع أعضاء الشبكة لتقديم مشاريع مشتركة ترتكز على لغة الحوار لدمج اللاجئين والمهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة.

ورغم تباين هذه المسارات الثلاثة من حيث النطاق والفئات المستهدفة، إلا أنها تنطلق من فلسفة راسخة؛ وهي أن التلاحم المجتمعي المستدام في المدن الأوروبية لا يفرض بقرارات سياسية "فوقية"، بل يولد وينمو من الداخل إلى الخارج، بأيدي أبناء المجتمع أنفسهم ممن يملكون الفهم العميق للواقع والشجاعة لقيادة التغيير.

 

تشكل وثيقة "دعوة المنتدى الأوروبي للعمل" الركيزة الأساسية لجميع المشاريع المقترحة، والتي تنظر إلى الاستقرار المجتمعي والاستدامة البيئية بوصفهما وجهين لعملة واحدة؛ فحياة الإنسان والطبيعة لا ينفصلان، وكل منهما يغذي الآخر ويؤثر فيه.

هذا التناغم يفسر سبب اختيار "بيت السلام الفرنسيسكاني" لاحتضان هذه الورشة؛ إذ يتزامن اللقاء مع الذكرى المئوية الثامنة لرحيل القديس فرنسيس. ويقف إرثه الإنساني اليوم شاهداً حياً على الرابطة الوثيقة بين الأخوة الإنسانية وحماية البيئة، وهي قيم تشكل جوهر هذه المبادرة، وتتقاطع عندها التعاليم الدينية مع المبادئ العلمانية الداعية لحقوق الإنسان وصون الطبيعة.

معايشة الحوار في مدينة تنبض بالتجربة

لم تُصمَّم الورشة بهدف تنمية المهارات فحسب، بل بُنيت على أساس التجربة الحيّة.

وعلى مدار أربعة أيام، انتقل المشاركون من مرحلة التعارف الأولي إلى بناء جسور حقيقية من التواصل الإنساني، ممارسين الحوار كواقع ملموس لا كمجرد شعارات مرسلة. ومن خلال تبادل القصص الإنسانية الملهمة والمشي في شوارع سراييفو —تلك المدينة التي تروي حكايات معقدة عن تعايش يتأرجح بين الهشاشة والتجذر— واجه المشاركون واقعاً يجسد التحدي الحقيقي على الأرض.

وعبر جلسات التأمل، وصقل المهارات، والنقاشات المفتوحة، بحث الجميع عن السبل الكفيلة بجعل الحوار أداة لردم الفجوات وبناء مجتمعات أكثر تماسكاً. ومع إسدال الستار على أعمال الورشة، لم يحمل المشاركون معهم أدوات عملية فحسب، بل غادروا بروح متجددة وعزيمة قوية لنقل هذه التجربة وتطبيقها في بلدانهم ومجتمعاتهم المحلية.

"لقد كانت مشاركتي في هذا التدريب تجربة ملهمة وعميقة الأثر؛ فلم تمنحني آفاقاً ورؤى جديدة فحسب، بل زودتني بحزمة من الأنشطة والآليات العملية التي يمكننا نقلها وتطبيقها في جورجيا، لاسيما داخل المجتمعات المتعددة دينياً وعرقياً.

 

وبالنسبة لي، كانت القيمة الأجمل تكمن في لقاء أشخاص من خلفيات وثقافات متنوعة، ولمس كيف يمكن للحوار أن يبني جسور تفاهم حقيقية وصادقة بين المجتمعات. كل الشكر لفريق 'كايسيد' الذي نجح في خلق هذا الفضاء الثري والملهم."

نينا تاتشخياني، مشاركة في مسار "رواد التماسك" (جورجيا)

أكثر من مجرد تدريب

تجاوزت الأيام الأربعة حدود التلقين وصقل المهارات، لتقدم ما هو أثمن: شبكة إنسانية حية، وشعوراً عميقاً بالانتماء المتبادل.

ففي قاعة واحدة، التقى المستفيدون من المنح - العاملون في مجالات الإدماج الحضري، والمبادرات الشبابية المعنية بتعزيز التماسك المجتمعي، ومشاريع إدماج اللاجئين. لم يكن اللقاء مجرد استماع، بل كان مساحة مفتوحة لتبادل الرؤى، وتفكيك الأفكار المسبقة، والاستثمار الحقيقي في نجاح الآخر. وتجلى هذا التلاحم بوضوح في جلسات "التقييم المشترك" خلال اليوم الختامي، حيث طُلب من المشاركين مراجعة مقترحات مشاريع بعضهم والإسهام في تطويرها وتعزيزها.

 

"مثّل هذا التدريب محطة فارقة ومحورية لنا لإطلاق مشروعنا الممول عبر برنامج منح 'شبكة الحوار'؛ إذ لم يقتصر الأمر على تزويدنا بأدوات عملية ومفاهيم أساسية حول الحوار بين أتباع الأديان، بل أتاح لنا أيضاً مساحة حقيقية لتبادل الخبرات وبناء شراكات حية مع مشاريع أخرى عبر الشبكة.

والوجود في البوسنة والهرسك منح هذه التجربة عمقاً استثنائياً؛ فالواقع المحلي هناك بما يحمله من إرث في الحوار بين أتباع الأديان يقدم شهادة حية تلهم واقعنا، ويفتح أمامنا آفاقاً جديدة تدفعنا للتفكير انطلاقاً من التجارب المعيشة. إن التعلم من هذا السياق المحلي، بتحدياته وتاريخه، أثرى رؤيتنا لمشروعنا والخطط التي نصبو إلى تنفيذها."

— بيدرو سانتوس، منظمة "MEERU"، البرتغال

 

ينطلق "كايسيد" في منهجه من التزام راسخ بالوقوف جنباً إلى جنب مع الفاعلين المحليين، سواء من الحركات المدنية أو القيادات الدينية؛ باعتبارهم المحرك الحقيقي للتغيير والطرف الأقدر على صياغة عقد اجتماعي يضمن للمجتمعات العيش المشترك في أجواء من الاحترام والاعتراف المتبادل، والتقدير لكرامة الإنسان. إن هذا التوجه يعني تبني التنوع كجزء لا يتجزأ من هويتنا، والإيمان بأن التعايش السلمي هو غرس تزرعه المجتمعات وترعاه معاً.

وتأتي مبادرة "صناعة التغيير من الداخل" لتجسد هذه الفلسفة؛ إذ لم تكن ورشة العمل في سراييفو نهاية المطاف، بل هي البداية فحسب. ومع عودة المستفيدين من المنح إلى بلدانهم لبدء الخطوات التنفيذية على أرض الواقع، سيكونون مدعومين ببرنامج التوجيه والإرشاد التابع لـ "برنامج كايسيد في منطقة أوروبا"، إلى جانب شبكة الأقران التي شرعوا في إنشائها وتطويرها.

 

يمر النسيج الاجتماعي في أوروبا اليوم باختبار حقيقي وضغوط متزايدة؛ فالانقسامات، والتفاوت الطبقي، والتمييز، ليست مجرد قضايا نظرية في أروقة السياسة، بل هي واقع يومي يتجلى في المدارس، والأحياء، والمجالس البلدية، والمراكز المجتمعية في شتى أنحاء القارة. وهنا يأتي دور قادة التغيير الذين غادروا سراييفو هذا الأسبوع، ليمثلوا جزءاً من جهود حثيثة وهادئة تواجه هذه التحديات من داخل المجتمعات الأكثر تأثراً بها.


لقد غادر المشاركون وهم يحملون ما هو أثمن من التمويل؛ غادروا بالفهم العملي لآليات الحوار، وبشبكة من الزملاء الذين يشاطرونهم الدرب ذاته، وبإطار عمل واضح لتحويل وثيقة "دعوة المنتدى الأوروبي للعمل" إلى واقع ملموس.

ومن هنا، يبدأ العمل الحقيقي.

 

ختامًا، يهدف برنامج منح المنتدى الأوروبي للحوار "صناعة التغيير من الداخل" إلى ربط وصقل مهارات شبكة متنامية من صناع التغيير في أوروبا لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات. وسيقوم الحاصلون على المنح بتنفيذ مشاريعهم على مدار عام 2026، بدعم مستمر من "كايسيد" يشمل التوجيه، وتبادل الخبرات، والموارد المؤسسية.

للمزيد من المعلومات حول برنامج منح المنتدى الأوروبي للحوار، يرجى زيارة الصفحة التالية: kaiciid.org/epdf