بين القيم الدينية ومنطق الخوارزمية: كايسيد يطلق حواراً عابراً للأجيال حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

05 مايو 2026

ماذا يحدث عندما يجلس عالم لاهوت من أوكرانيا، وبانٍ للسلام من جنوب السودان، وكشاف من بنغلاديش، ومطوّر ذكاء اصطناعي من ميانمار للحديث عن الذكاء الاصطناعي؟
ينتج عن ذلك نوع من الحوارات التي نادراً ما تحدث، والتي يحرص كايسيد على إتاحتها واستضافتها.
 

في 7 مايو 2026، عقدت وحدة التعلم الإلكتروني لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد)، جلسة حوارية إلكترونية مباشرة بعنوان: "جسور رقمية تتجاوز الانقسامات: الأخلاقيات والتعاطف والذكاء الاصطناعي"، تجمع قيادات شبابية ودينية، ومفكرين بارزين من مختلف أنحاء العالم.

وتمحور النقاش حول سؤال يزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم: من يملك حق تشكيل القيم التي سترشد مستقبلنا الرقمي؟

وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة «حوارات الجيل القادم» التي ينظمها كايسيد، وتهدف إلى توفير مساحة للتبادل بين الأجيال بشأن القضايا المتقاطعة مع الحوار، والهوية، والتحولات العالمية.

كما تأتي الندوة بعد فترة وجيزة من اليوم الدولي للفتيات في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذي أحيته الأمم المتحدة في 23 أبريل، ما يمنح النقاش أهمية إضافية وفرصة مناسبة للتأمل في الكيفية التي يمكن من خلالها للشباب، ولا سيما الفتيات والشابات، الإسهام في صياغة مستقبل رقمي أكثر أخلاقية وشمولاً.

التقدّم والمسؤولية

يشهد الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً، وفي كثير من الأحيان يسبق هذا التطور الأطر الأخلاقية والتشريعية المفترض أن تنظّم مساره وتضبط تأثيراته. وبالنسبة إلى الشباب حول العالم، لم تعد المنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد قضايا نظرية أو نقاشات سياسية بعيدة؛ بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في أساليب التعلّم، وأنماط التواصل، وحتى في الطريقة التي يدركون بها ذواتهم وهوياتهم.

ورغم ذلك، لا تزال النقاشات المتعلقة بتصميم هذه التقنيات، وتطويرها، وتنظيمها تُجرى في كثير من الأحيان من دون مشاركة حقيقية وفاعلة للشباب، ولا سيما المنتمين إلى دول الجنوب العالمي والمجتمعات الدينية. ومن هذا المنطلق، يؤكد كايسيد موقفه بوضوح: إن غياب هذه الأصوات يمثل إشكالية حقيقية، والحوار يشكل جزءاً أساسياً من الحل.

وتستند ندوة "جسور رقمية تتجاوز الانقسامات" إلى إطارين رئيسيين اعتمدتهما الأمم المتحدة ضمن "ميثاق المستقبل" لعام 2024؛ أولهما "الميثاق الرقمي العالمي"، الذي يدعو إلى بناء مستقبل رقمي مفتوح وشامل يتمحور حول الإنسان ويستند إلى حقوق الإنسان العالمية، وثانيهما "إعلان الأجيال القادمة"، الذي يؤكد ضرورة ألّا تقوّض القرارات المتخذة اليوم فرص وإمكانات الأجيال المقبلة.

كما تناولت الجلسة "نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، الصادر عام 2020 عن الأكاديمية البابوية للحياة، والذي يدعو إلى تحمّل مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص لضمان أن يسهم التقدم التكنولوجي في خدمة الكرامة الإنسانية.

ولا ينظر كايسيد إلى هذه الوثائق باعتبارها نصوصاً سياسية فحسب، بل يراها دعوة مفتوحة للحوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، من أجل تحويل القيم والمبادئ من مجرد نصوص مكتوبة إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع.

من الحوار إلى المبادئ العملية

عُقدت الندوة الإلكترونية على مدى 90 دقيقة، ضمن جلسة حوارية يديرها مختصون، وتتضمن استطلاعات رأي مباشرة للمشاركين، وجلسات أسئلة وأجوبة تفاعلية، إلى جانب عرض توضيحي لأداة "هارمونيك" (Harmoniq)، وهي أداة للذكاء الاصطناعي طوّرها المتحدث هاري ميو لين، وتهدف إلى استكشاف كيفية بناء تقنيات ذكاء اصطناعي ترتكز على الأخلاقيات والتعاطف العابر للثقافات.

ولا تُطرح هذه الجلسة بوصفها فعالية عابرة أو حدثاً منفصلاً، بل تمثل المرحلة الأولى ضمن مسار تشاركي من مرحلتين. إذ ستسهم النقاشات والأفكار المطروحة خلال الندوة في تشكيل جلسة تشاورية لاحقة، يعمل خلالها المشاركون على صياغة مبادئ عملية قائمة على الحوار، من أجل تعزيز تفاعل رقمي أكثر شمولاً والتزاماً بالمعايير الأخلاقية.

ومن المقرر أن تسهم مخرجات هذه العملية في تطوير موارد تعليمية مستقبلية عبر منصة كايسيد"Connect2Dialogue"، بما يتيح وصولها إلى الممارسين والشبكات الشريكة حول العالم.

ويجمع الحوار أصواتاً وخبرات متنوعة تنشط في مجالات بناء السلام، والقيادة الشبابية، واللاهوت، والتكنولوجيا، والحوار بين أتباع الأديان. ومن بين المتحدثين: ليلى حسناديدتش، زميلة كايسيد من البوسنة والهرسك، التي يربط عملها بين علم النفس والصدمات الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي؛ وروهي روسابا، بطلة التعلّم الإلكتروني في كايسيد لعام 2025 من بنغلاديش، والعضوة الكشفية المعروفة بعملها مع أطفال الشوارع في دكا؛ وهاري ميو لين، مطوّر ذكاء اصطناعي من ميانمار يقيم في النمسا ومبتكر أداة "هارمونيك"؛ وباتريك غودي، صانع السلام من جنوب السودان والناشط في شبكة "IDove"العالمية للشباب؛ إضافة إلى تاراس دزيوبانسكي، زميل كايسيد، وعالم اللاهوت، ومستشار الشؤون الدينية لعمدة مدينة لفيف الأوكرانية.

وناقش المشاركون الدور الذي يمكن أن يؤديه الشباب، والفاعلون الدينيون، وخبراء التكنولوجيا، في بناء فضاءات رقمية أكثر أخلاقية وشمولاً، ترتكز على احترام الكرامة الإنسانية.

ما الذي يضيفه الدين إلى نقاشات الذكاء الاصطناعي؟

قد يبدو من السهل اختزال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في كونها تحدياً تقنياً أو تنظيمياً فحسب، غير أن مقاربة كايسيد تنطلق من رؤية مختلفة. فالحوار بين أتباع الأديان والثقافات يقدّم ما تعجز الأطر والسياسات التنظيمية وحدها عن توفيره: لغة مشتركة للقيم الإنسانية.

فمفاهيم مثل الرحمة، والمسؤولية، والعدالة، والمساءلة، ليست مفاهيم مستحدثة أفرزتها هيئات حوكمة الذكاء الاصطناعي، بل هي قيم متجذرة في التقاليد الأخلاقية والدينية التي تسترشد بها حياة مليارات البشر حول العالم. وعندما تدخل هذه التقاليد في حوار فيما بينها، ومع التحولات التي يفرضها الواقع الرقمي، فإنها تسهم في بناء أساس أخلاقي أكثر عمقاً واستدامة.

ومن هنا تنطلق فكرة "جسور رقمية تتجاوز الانقسامات"؛ فالحوار في هذه المبادرة ليس مجرد موضوع للنقاش، بل هو المنهج ذاته.